سيد محمد طنطاوي
459
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمراد بالقرية : أهلها ، على سبيل المجاز المرسل ، من إطلاق المحل وإرادة الحال ، فهو كقوله - تعالى - : وسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها . والقرينة على أن المراد بالقرية أهلها ، قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( أَعَدَّ اللَّه لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً . . . ) * . والمراد بالمحاسبة في قوله * ( فَحاسَبْناها . . . ) * المجازاة والمعاقبة الدنيوية على أعمالهم ، بدليل قوله - تعالى - عن العذاب الأخروى بعد ذلك * ( أَعَدَّ اللَّه لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً . . . ) * . ويجوز أن يراد بالمحاسبة هنا : العذاب الأخروى ، وجئ بلفظ الماضي على سبيل التأكيد وتحقق الوقوع ، كما في قوله - تعالى - : ونادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ . . . . ويكون قوله - سبحانه - : * ( أَعَدَّ اللَّه لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً . . . ) * تكريرا للوعيد . والمعنى : وكثير من أهل القرى الماضية ، خرجوا عن طاعة ربهم ، وعصوا رسله ، فكانت نتيجة ذلك أن سجلنا عليهم أفعالهم تسجيلا دقيقا ، وجازيناهم عليها جزاء عادلا ، بأن عذبناهم عذابا فظيعا . وعاقبناهم عقابا نكرا . . والشيء النكر بضمتين وبضم فسكون - ما ينكره العقل من شدة كيفية حدوثه إنكارا عظيما . والفاء في قوله - تعالى - : * ( فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها . . . ) * للتفريع على ما تقدم . والوبال : الثقل ، ومنه الطعام الوبيل ، أي : الوخيم الثقيل على المعدة فيكون سببا في فسادها ومرضها . والذوق : الإحساس بالشيء إحساسا واضحا . . أي : فترتب على هذا الحساب والعقاب ، أن ذاق أهل تلك القرى سوء عاقبة بغيهم وجحودهم لنعم اللَّه . . وكان عاقبة أمرها خسرا أي : وكانت نهايتهم نهاية خاسرة خسارة عظيمة ، كما يخسر التاجر صفقته التجارية التي عليها قوام حياته . ثم بين - سبحانه - ما أعده لهم في الآخرة من عذاب ، بعد بيان ما حل بهم في الدنيا فقال : * ( أَعَدَّ اللَّه لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً . . . ) * . أي : أن ما أصابهم في الدنيا بسبب فسوقهم عن أمر ربهم ، ليس نهاية المطاف ، بل هيأ اللَّه - تعالى - لهم عذابا أشد من ذلك وأبقى في الآخرة . . وما دام الأمر كذلك * ( فَاتَّقُوا اللَّه يا أُولِي الأَلْبابِ ، الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّه إِلَيْكُمْ ذِكْراً . . . ) * .